السيد هادي الخسروشاهي

100

في سبيل الوحدة والتقريب

فهذا النبي صلى الله عليه وآله تضيق « أم القرى » أول الأمر من دعوته ، ويلقى وتلقى دعوته من أهلها ما يلقيان من الفتن والأذى ، ويخرج منها مهاجراً ، ومع ذلك يحنّ إليها ، وإلى جبالها ووديانها وكلّ ما فيها ، وهو في دار الهجرة ، من دون أن يجد في هذا الحنين ما يخدش كمال اسلامه ، أو ينال من مكانته وهو على رأس الأمة الاسلامية الوليدة ، التي جاء في شأنها قوله سبحانه وتعالى : « وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ » « 1 » . وعليه فالقومية العربية ، كظرف وإطار اجتماعي طبيعي ، وجدت هويتها الرسالية ومذهبها الانساني في الاسلام ، ويمكننا القول : إنّ التاريخ الحقيقي والمشرق للأمة العربية لم يظهر إلّاعندما وحّد محمد صلى الله عليه وآله العرب ، وصهر القبائل العربية في بوتقة الاسلام بعد ما كانت تمزّقها صراعات وحروب ، إمّا تلبية لنزعات ونزوات ؛ مثل حرب داحس والغبراء والبسوس ، وإمّا لدواعٍ تقليدية قبلية . وعندئذٍ أصبح تاريخها جزءاً من تاريخ الاسلام . أمّا حركة القوميات - وما يهمّنا منها في موضوع بحثنا هذا هو حركة القومية العربية - فإنّها حركة سياسية وليست مجرّد انتماء ، هدفها أن تحوّل الواقع التاريخي والحضاري للأمة العربية إلى واقع سياسي مجرّد ، متّجهة بالأمة الواحدة ، إلى أن تكون « كياناً سياسياً موحّداً » بغضّ النظر عن الخصوصيات الأخرى التي ترسم المعالم الحيوية والتاريخية للأمة . هذا وحده هو معنى الحركة القومية ، لأنّ الأوصاف الإضافية التي يطلقها أصحاب القوميات المختلفة والتي تضفي عليها صبغة إيجابية وتقدّمية ، ما هي إلّاتلاعب بالألفاظ وطرق لمفاهيم أخرى تزيد الموضوع تعقيداً ، مثل نعت القومية العربية - مثلًا - بأ نّها ذات مضمون اشتراكي أو ذات جوهر اسلامي ! وما إلى ذلك .

--> ( 1 ) المؤمنون : 52 . .